كأنو مسرح..

بقلم : حسام محمد غزيل 

عرضٌ مسرحيّ للكاتبة الشابة (لوتس مسعود)والفنان والمخرج الكبير (غسان مسعود), مع نجوم من الشاشة الفضية , ونجوم من الشُبان الخريجين والمشغولين بالهاجس المسرحيّ (محمود نصر , ديمة قندلفت ,نظللي الرواس ,لجين اسماعيل , مصطفى المصطفى ,روبين عيسى,أيمن عبد السلام ) هذا إن صحَ لنا أن نستمر في تصديقِ وجود هكذا هاجس … أنت كمُتلقي تقفُ مُنتظراً دوركَ كي تحظى ببطاقةٍ أو بطاقتين ، وهذا يعود طبعاً لدرجة حجم الازدحام ، وفي أثناءِ انتظارك تبدأ الأحاديث المُتداخلة بين الناس بالازدحامِ أمامَ مَسمعك ،ومن بينها :

“يقبر قلبي عروة؛ أي (محمود نصر )… شفتي لجين؛ (لجين اسماعيل) ما أحلاه وما أخف دمو…ولا ديمة ؛(ديمة قندلفت)..”

 ويستمر الحديث عن جمال الممثلين وتألقهم حتى بداية العرض ، فنجد أنفسنا أمامَ لعبةٍ مسرحية من نوعِ “المسرح داخل المسرح ” أعادت هذه اللعبة إلى ذاكرتنا تجربة الراحل “سعد الله ونوس “الجميلة مع هذا اللون الفني الذي قدمهُ لنا في مسرحية “سهرة مع أبو خليل القباني”. لكن، اللعبة هنا وقعت في مطبات تتدافعُ فيها الأحداث على وتيرةٍ واحدة ،يسودُ خلالها ارتجالات الممثلين الكوميدية وحوارتهم التي تصور النمط الذي أصبح معتاداً الآن (أسود..أبيض…رمادي.. ( شجارات وانفعالات مع مونولوجات كلاسيكية الطرح ،ومتفاوتة الأداء ، يغلبُ عليها الضعف “اللغوي والحسي” في كثيرٍ من الأحيان ، حتى تنتهي تلك المسرحية التي عشنا الخلافات القائمة فيها مع عارض الحب الذي تبدى في جوانب العمل وانتهى بموتِ بطلةِ العمل (ديمة قندلفت التي قامت بدور المخرجة ) ورسمٍ فنيٍّ جميل هو أقربُ في مواضعٍ منه للوحاتِ الفنِ التشكيليّ ، تموضُع على الخشبة ، حرفية عالية بالسينوغراف والإضاءة ورسم حركة الممثلين . أما بالنسبة للنص فالعنوان كان مباشراً وفجاً ،خالياً من أي رمزية . يمكن لمتابع المسرح أن يصل بسرعة لنتيجةٍ مفادها أن هناك “عمل ضمن عمل” •إنَّ شَماعةَ الأزمة تُعيدُنا لسؤال ..ماذا لو لم يكن هناك أزمة (عن شو كانوا رح يحكوا ؟) نحنُ هنا لا نحاولُ أن نقفَ أمامَ “واقعيةِالمسرح “ومحاكاتهِ ،لكن طريقة المعالجة المتكررة والرتيبة حولت واقعية اللحظة إلى طرحٍ يُملُ منه ، مُتوقع ومعروف النتيجةً. تدورُ المسرحية حول “مُخرجة مسرحية أصيبت بمرضٍ أثرَ على حياتها ، في أيامها الأخيرة قررت أن تقوم بإخراج عملٍ مسرحيّ ،يجمعُ أطيافَ المجتمع المختلفة. كان لكلِ شخصية دور ٌ رئيسيّ ،وآخر مُمسرح، أما عن الصراع بين المؤيد والمعارض (لجين اسماعيل –أيمن عبد السلام) فكان صراعاً تهريجياً ورمياً للكلام ،لإضحاك الناس ،ولو أردنا اعتبار أن الصراع كان بهذا الشكل لهدفِ توضيح ما آل إليه الأمر ،ومدى سخافة الخلاف القائم حالياً ،فهذا الأمر لايتم في المسرح بهذه الطريقة فهو غير قائم على نوايا، بل على طرح مُقدم بوضوح تُستشف منه طبيعة الحدث والصراع ، وحتى اذا اعتبرنا أنَّ ما قُدم من مشاهد كوميدية هو الصراع ،أو أنَّ المشاحنات ضمن العرض هي الصراع ، أو ما حدث بين محمود والمخرجة هو الصراع ،فالعرض مايزالُ مترنحاً في خانةِ الخلو من الصراع الفاعل والمؤثر على الخشبة أولاً ،وفي المشاهد ثانياً … الصراع هو خط تصاعدي في الأحداث ،من أجل الوصول إلى الذروة من الأعلى الى الأسفل أو من الأسفل للأعلى. بالنسبة للمُمثلين : فديمة قندلفت كانت بدور(المخرجة) رغم نجاحها تلفزيونياً ،لكن مسرحياً كان يغلب على أدائها الحس الدرامي التلفزيوني،فالصوت مُنخفض وإذا ما حاولت رفعهُ فقدت الإحساس نتيجة محاولة رفع الصوت. أما “نظلي الرواس ” لم تكن كما كان مُتوقع وخصوصاً في مشهد “المشاجة الكلامية مع لجين اسماعيل” فالحوار تحولَ لردح وثرثرة كلامية. تكنيك لجين ،ومصطفى للتغطية على الإحساس المتفاوت كان جميل ومُميز جداً ،ونُفذ بمهارة عالية وخصوصاً بأن التكنيك يستخدم في المسرح كمكياج ساتر لعيوب الممثل . “روبين عيسى” للأسف تكرار بالأداء ،وعدم تجديد عن عملها المسرحي السابق (نديمة) وما قبله ومابعده، فلانجد تطوراً في أدائها،نفس الأسلوب بالدراما والمسرح .

باختصار كان الأداء دراما تلفزيونية بامتياز . لكن يظلُ السؤال ..العرض جماهيري وأثار إعجاب وضحك الكثيرين ، شباك التذاكر ووجوه النجوم كانت نقاط قد نجحَ العرض في اكتسابها. لكن من رسمَ آمال كبيرة كهواة المسرح وعشاقهِ أصابتهم خيبة نسبية نتيجة عدم تبلور صورة واضحة ومُحددة لهوية العمل ،وحدث يختلف في طرحهِ عن المعتاد …الخط الدرامي ذو الوتيرة الواحدة المُجتزأة حسب اللوحات والمشاهد المُقدمة ، دونَ تصعيد أو خلق حبكة درامية عالية الجودة ، هفوات بعض الممثلين في الأداء التي قد تكون ناتجة عن قلة البروفات والتدريبات كما ذكر بعضهم . هفوات جعلتنا طوال العرض المسرحي بعيدين عن لحظات درامية، تصاعدية البناء والأداء إلا مانتج عن محاولات التهريج والتلاسن الكلامي بين الممثلين. تنوعت الآراء حول العمل وعاد السؤال من جديد “جماهيريةُ المسرح أم نُخبويتهُ” في الطرح لأستمع لعدة آراء مختلفة لنقاشات قبل العرض وبعده أذكر منها. *المسرح ليس فناً جماهيرياً بل هو فن نخبوي.. وليس بإمكاننا أن نتعامل معه على أنَّه فناً جماهيرياً كل مايهمنا منه هو شباك التذاكر …بعض الفنون ومنها المسرح وُجدت لتكون نخبوية ..ووجدت لرفع سوية التفكير في المجتمع ..وليس لمخاطبة الناس على قدر عقولهم .. *هل نترك بيوتنا ونقتطع وقتاً من حياتنا من أجل الضحك قط.. هل بات المسرج سيركاً فقط. *المسرح التجاري للترفيه عن الناس وإضحاكهم وفرصة للتصوير مع الممثلين ليس أكثر. * مايُميز المسرح عن التلفزيون هو نخبويته ..إذا كان من الممكن أن نقبل بعض التنازل في الفن السابع وهو السينما لظروف تتعلق برأس المال ،فلا يمكن أن نقبلهُ في العروض التي ترعاها واحدة من أهم المؤسسات الحكومية والتي تُمثل الثقافة. المؤسف في الموضوع أن أغلب من عبروا عن رأيهم بنقد موضوعي انبروا في غالبيتهم للمباركة لفريق العمل مُتناسين كل ماذكروه ،مُقيمين شرطية الازدواجية والتناقض في الآراء التي نعاني منها دوماً . العمل كان فرصة حقيقة لنقف أمامَ لحظةٍ حاسمة . المسرح لأجل الفكرة أم الترفيه ؟ وهل يمكن الاكتفاء بواحدة منهما بعيداً عن الأخرى ؟ هل سنظلُ سفسطائيين بشكل مُبالغ فيه لنطالب المسرح بنخبويته رغم إدراكنا لصعوبة الأمر، أم نستسلم لموجة الاستهلاك في كل شيء ،وإن كانت الموائمة هي الحل فمتى سنجد من ينبري بكل الجهد المتاح لتحقيقه. يظلُ هذا رهناً بعشاق المسرح والمشتغلين فيه خاصة ، وبأطياف الفنون والأدب عامةً . وكما نُقل عن أحد الحضور والمهتمين بالشأن المسرحي: الأداء مسرحي كان أم تلفزيوني هذا لا يُشكلُ فرقاً لدى المشاهد العادي ، إلا أنَّ الخريج الأكاديمي حرامٌ أن يعمل في التلفزيون بعد دراسة المسرح . لعبة الصوت و الجسد او الإحساس الداخلي بالأداء المسرحي أعمق …الحس العالي مع موائمة بين الصوت والحس . في التلفاز الميكروفون يُغطي ..بينما بالمسرح إن علا صوته فمن الممكن أن يدخل في حيز المبالغة\ كما هو الحال إذا ممثل عربي عمل بعمل أجنبي سيكون أمامَ خيارين : إذا ركز على اللغة قد يفقد الإحساس بالمونولوج أو العكس. الجسد في التلفاز هو حركات ،كلام ،أفعال مجانية لامكانية تعبئة 1200صفحة. بينما المسرح والسينما هما فن تكثيف اللحظة بكل ما تحملهُ من كلامٍ وحركاتٍ وشعور. النص كان مُتوقع والنهاية أيضاً …فهل تكون جماهيرية العرض وتسويقهِ أهم من أن يكون الفن المسرحي ذو رسالة حقيقية وفاعلة في المشهد الثقافي السوري خاصة والعربي عامة ؟؟؟

عن Dania AL-Attar

إن أردت أن أختصر حياتي بكلمة فستكون كلمتي قوس قزح ليس لأنني أحب حياتي مفعمة بالألوان وحسب بل لأنني أحب أن أكون قوس قزح في سماء من حولي. صحيح أنني أعشق المطر لكن فكرة أن السماء تبتسم بألوان زاهية جميلة بعد كل تلك الدموع التي ذرفتها تمنحني الكثير من السعادة والكثير من الأمل!!!

شاهد أيضاً

تقول الخرافة

تقول الخرافة اعداد : دانية العطار   “إنه خطأ القمر! لقد اقترب من الأرض أكثر …