الرئيسية / قراءات كتب / قراءة في رواية الخلود لـ”ميلان كونديرا”

قراءة في رواية الخلود لـ”ميلان كونديرا”

إعداد: مازن سفّان و حبيب زريق 
– ما أكتبه غير قابل للحكي
– للأسف
– لماذا للأسف؟!
إنّها فرصة في أيّامنا هذه التي ينقضّ فيها النّاس على كلّ ما يُكتب ليُحوّلوه إلى فيلم أو دراما متلفزة أو إلى رسوم متحرّكة؛ وبما أن الجوهريّ في الرّواية هو ما لا يمكن التّعبير عنه إلا بالرّواية، لا يبقى في الاقتباس إلا ما هو غير جوهري. على أي شخص لديه ما يكفي من الجنون ليستمرّ في كتابة الرّوايات، إن هو أراد ضمان حمايتها، أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذّراً، أو بعبارة أخرى تجعل حكيها متعذّراً” – الخلود ص278. هي رواية تهدم كل الأسس المشروعة للرواية التقليدية.. رائعة ميلان كونديرا : “الخلود” . يهدم كونديرا بأسلوب أدبي قل نظيره أسس الرواية التقليدية التي تقوم على وحدة الحدث; أي أن أحداثها و وقائعها تقوم على تسلسل سببي واحد. ويستخدم اعتباراً من عنوان الرواية إلى أسماء فصولها كلمات صغيرة تدل على أعقد القضايا التي تواجه النفس البشرية: “الخلود” ، ما معناه؟ أهو بقاء الجسد إلى أعوامٍ لا تعد أم بقاء الروح مرفرفة بين الأحياء بعد فناء الجسد أم أنه بقاء الاسم الذي يتجذر بعمل أدبي أو علمي أو فكري؟ تقسم الرّواية إلى سبعة أقسام (الوجه – الخلود – الكفاح – الإنسان العاطفيّ – الصّدفة – المينا – الاحتفال) تبدأ قصة الرّواية بإيماءة امرأة ستينية عند خروجها من مسبح، يستفيض كونديرا في تصوير هذه الإيماءة؛ فهي إيماءة تنتمي لفتاة في مقتبل العمر وكأن لها كياناً خاصّاً منفصلاً عن صاحبتها، يتساءل فيما إذا كان الجسد صاحب الإيماءة أم أنه نتيجة لها وأنها سابقة عليه!، يبدو أن ميلان كان قد رأى هذه الإيماءة فعلاً كما أوردها ويبدو لي أن هذه الإيماءة هي الّتي خلقت رواية الخلود وليس العكس فبعد أن شاهد المرأة جعل لها اسماً (آنييس) وبدأ يتخيل حياتها كاملة بتفاصيلها منذ النّشأة وحتى الموت (أو الخلود) . تدور حوارات الرواية في أربعة أوساط (آنييس وعائلتها – غوته وبيتينا – غوته وهيمنغواي – الراوي (ميلان كونديرا نفسه) والبروفيسور أفيناريوس ) بالإضافة إلى شخص لا يظهر حتى القسم السادس تبنى شخصيّته بالكامل ثمّ يعاد إسقاطها على الرواية من قبل أن تبدأ أحداثها! لا يهمّ أن أخوض في تفاصيل الشخصيّات هنا فمهما كتبت لن أغني القارئ عن العودة للكتاب والتمتّع باستكشاف الشخصيّات بنفسه وإن كانت تجدر الإشارة إلى أنه أحسن توظيف قصّة الشاعر الألماني غوته مع المؤلفة بيتينا Bettina Von Arnim في بناء العمق الفلسفي ل”الخلود”. كما أظنّه استمتع وهو ينشئ للكاتب الأميركي إرنست هيمنغواي وغوته عالماً أخرويّاً خاصّاً يمكّنهما من اللقاء وتبادل أطراف الحديث. #الوجه عند ميلان أداة تعريف غير مطابقة، وبرأيه أننا لو كان بإمكاننا اختيار وجوهنا أو لو كانت الوجوه تعبيراً صحيحاً عمّا في دواخلنا لاختلف الوضع، يتخيّل ميلان مستعيراً لسان شخصيّاته أن رجلاً يعيش في عالم لا مرآة فيه لو وقف أمام مرآة في الأربعين من عمره مثلاً لفرّ مذعوراً من الكائن الواقف أمامه و#الخلود مقترنٌ بالموت “اقتران لوريل بهاردي” فالموت يظلّ أبعد من أن نهتمّ بأمره حتى بلوغ سنٍّ معيّنة فهو غير منظور وغير مرئيّ في الطّور الأول من الحياة، ثم يلوح فجأة موتنا أمامنا ويستحيل أن نزيحه من مجال رؤيتنا، ولاقتران الموت بالخلود جاز القول أن الخلود أيضاً يصبح معنا، وما أن نكتشف وجوده حتى نشرع في الاعتناء به بشكل محموم، ولكن ما هو خلودنا ؟ هل خلود صورتنا أو أعمالنا خلودٌ لذواتنا؟ يستكشف ميلان هذه المعاني من خلال غوته وهيمنغواي، فهل خلدتهما أعمالهما؟ أم صورتهما في المقالات والأعمال التي كتبت عن حياتيهما؟ وهل نريد حقّاً الخلود لذواتنا؟ أم لأعمالنا فقط؟ #الكفاح “يكفي أن يفتح المرء معجماً ليجد أن معنى كلمة كافح هو أن يضع المرء إرادته مقابل إرادة شخص آخر، بغاية تحطيمه وإخضاعه، وربّما قتله، “الحياة معركة” إنها عبارة لا بدّ أنها عند نطقها للمرّة الأولى نطقت كتنهيدة كئيبة ومذعنة، ولكنّ قرننا – قرن التفاؤل والقتل الوحشيّ – قد نجح في تحويل هذه العبارة الرّهيبة إلى أغنية مرحة…. الكفاح “من أجل” لا ينفصل عن “الكفاح ضد” وخلال الكفاح يتناسى المتصارعان دائماً عبارة “من أجل” لصالح كلمة “ضد”. ” و “يصعب على المرء أن يثبت لنفسه أصالة “أناه” وينجح في إقناع نفسه بوحدتها الفريدة في عالمنا الذي يتزايد فيه عدد الوجوه ويشتدّ الشبه بينها يوماً بعد يوم. هناك أسلوبان لتنمية فرادة الأنا: الجمع والطّرح” وهنا ننتبه لما نفعله يوميّاً لتحديد فرادتنا، فإما أن نضيف على أنانا صفات فيكون تعريفنا بالإضافة (كأن نضيف فريقاً نشجّعه وأيديولوجيا نؤمن بها وموسيقا نف ضّلها وقطة نعتني بها…إلخ) وهنا نواجه خطر فقدان جوهر ذاتنا بسبب هذه الصّفات المضافة، وإما أن نطرح عن أنانا كلّ ما هو خارجيّ ومستعار أمّا الطّرح فهو يهدّد بعدم قدرة الآخرين على تشكيل صورة يستطيعون صياغة تعبير عنها ل”أنانا” وهنا نعود لمعضلة هل أنانا مطابقة لصورتنا؟ أم أن ذاتنا مستقلّة عمّا يتعلّق بها؟! يعرّف كونديرا #الإنسان_العاطفيّ بأنه هو من بوّأ العواطف مقام القيم وليس من يشعر بالعواطف (فكلّنا نشعر بها) وبما أن الإنسان يفتخر بقيمه فالإنسان العاطفيّ يتفاخر بعاطفته ويذكر ميلان هنا تحوّل العواطف إلى قيم في القرن الثاني عشر عن طريق شعراء التروبادور الّلذين تغنّوا بعواطفهم تجاه المرأة، وهنا أشير إلى أنّه أغفل الشّعراء العرب اللّذين جعلوا العواطف أغراضاً شعريّة منذ نصف الألفيّة الميلاديّة الأول. بعد هذا الاستعراض السّريع لبعض أفكار الكاتب الّتي اخترتها بشكل شبه عشوائيّ (فقد أُجبرت على ترك الكثير من الأفكار المهمّة والأساسيّة الأخرى المطروقة في هذا العمل الأدبيّ)، لا بدّ أن أشير إلى أن أكثر ما أثار انتباهي كقارئ تدخّل شخص الكاتب في عدّة مواضع سواءً كشخصيّة متحاورة، أو ككيان تشير إليه الشّخصيّات دون أن يخشى من ذلك انقطاع الخيال، فبدل أن يجعل الرّواية نسجاً خياليّاً متراصّاً كما جرت العادة، نجده يربطها مباشرة بعالمنا عن طريق وجوده هو فتتبدّى الرّواية على شكل حلم يقظة وخاصّة في عالم إرنست هيمينغواي و غوته الأخرويّ الّذي يمكننا أن نعدّ ميلان كونديرا إلهاً له فمثلاً يرد في حديث غوته لهيمنغواي “لا تتحامق يا إرنست. أنت تعلم أنّنا لسنا سوى ثمرة من ثمرات خيال كاتب روائيّ يجري على لسانينا ما يرغب هو في قوله، وما لم نقله على الأرجح قطّ.” في الرّواية اعتمد الكاتب على استثارة يلاسل أفكار القارئ من خلال كلمات مفتاحيّة يعيدها ويكرّرها مراراً ليختبر قدرة القارئ على الاستذكار لكنّني كنت فضّلت لو أنّه ترك الجهد العقليّ معلّقاً على القارئ بدل أن يفصح عن ذلك الرّبط مع ما ورد سابقاً ففي ذلك شيء من عدم الثّقة بقدرة القارئ وحده على الاستذكار . إن كونديرا بقدراته السردية الهائلة استطاع أن يحكي عن كل شيء و أي شيء;عن الحب و الجنس و الفلسفة والتاريخ, عن الرسم و الموسيقى,عن الأدب و الشعر, عن الموت و الحياة , عن الإنسان. بتلك القدرة الفذة استطاع ميلان التعبير عن ذواتنا و دواخلنا عن أصغر الأشياء التي نشعر بها و لا نستطيع صياغتها أدبياً بشكل رصين؛ إنه قادر على تعريتنا أمام دواخلنا أمام مشاعرنا المكبوتة. إنه يفكك و يحلل كل تفصيل صغير لبناء وحدة سردية لا تعترف بكل القواعد الروائية فهو ينتقل بين عوالم متوازية من نابليون و غوته إلى غوته و محبوبته و منها إلى عالم خيالي يصور به محادثة أخروية بين غوته و همنغواي و منها إلى عالم حقيقي بينه هو و صديقه البروفسور. أنييس بما تمثله من صورة قاتمة للنفس البشرية فمن خلال الإيماءة يبحر كونديرا بسفينته السردية ليحلل تفاصيل صغيرة و دقيقة في نفسنا البشرية لموقف عاجزين أمام قبحنا كبشر و جمالنا في أحيان قليلة. هذه رواية لم تكتب سوى للنشوة الأدبية؛ تستمتع بها و تذوق حلاوتها و مرّها إنها فاتنة لا تقدر سوى أن تتفرس بها ببطء شديد؛ لتقف مذهولاً أمام كاتب يوضع في كفة مقابلاً لكثير من متطفلي الكتابة في الكفة الأخرى. لعل أجمل اقتباس قرأته في هذه الرواية هو: “الحب هو فضيلة الفضائل؛ فهو يفقدنا الوعي بما هو أرضي، و يملؤنا بما هو سماوي، و هو بذلك يخلصنا من كل شعور بالذنب”. في النّهاية فقد صاغ ميلان كونديرا خلوده الخاصّ بين دفّتي هذا الكتاب، وترك به بصمته الّتي لن تزول ربما إلا بزوال الحضارة البشريّة… وما قيمة الخلود بعد ذلك؟
 

عن habib zreik

حبيب زريق مواليد 1994 طالب هندسة ميكانيك عام في جامعة دمشق عاشق للقراءة ومهتم بعلم الفلك والفيزياء النظرية والفلسفة والأدب وبخاصة كتب الخيال العلمي لي إسهامات شعرية ونثرية متواضعة هنا وهناك محب للاختلاط بالناس في شوارع دمشق وسماع قصص كبار السن, في الليل أخرج لرؤية مجوهرات السماء وتخيل أساطير النجوم عشت مع البحر والصحراء نصف عمري (بين جدة وطرطوس) وقد أثرت البيئات المختلفة على تكوين شخصية تجمع بين الصحراء والبحر والجبل والغابة والمدينة, لكن دمشق تبقى العشق الأول أثرت علي مكتبة والدي الواسعة والتي تشغل جدارا في كل بيت نسكنه وتفيض لتملأ الكتب الدروج, وتختبئ تحت الأسرة والأرائك وكان لوالدتي الفضل في تعليمي اللغة الإنجليزية في صغري ما فتح لي فيما بعد آفاقا لأخذ العلم من مصادره أول ما قرأته كان كتب السلسلة الخضراء ومجلات بطوط وميكي, ثم قرأت رواية الأمير الصغير التي كانت أول كتاب أملكه في الصف الأول تلاها بعد ذلك عدة روايات في الأدب العالمي كان يناقشني والدي بعد كل منها في المعاني التي فهمتها منها بدأت رحلتي مع النجوم في رحلاتنا الليلية إلى البحر, وأول ما تعلمته عنها كان كيف أميز الكواكب من النجوم بتلألؤها لا زال الطفل في داخلي يبحث عن الحقيقة ويطرح أسئلة أكثر مما يمكن للعالم أن يجيب عنه, ويؤلف أساطيره الخاصة بكل شيء...

شاهد أيضاً

قراءة في رواية أنا أعرف من قتلني للطبيب الأديبب نبيل قوشجي

قراءة في رواية أنا أعرف من قتلني للطبيب الأديبب نبيل قوشجي   اعداد : ريم …