الرئيسية / قصة قصيرة / حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع
حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع
حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع

حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع

حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع في مسابقة نادي شام للقصة القصيرة – الدورة الثالثة 2017

حافلة الصمت

 

صعد الصمت إلى الحافلة ، وراح يحملق بكل الوجوه ، تفرّسها بدقة ، قرأ ما رُسم عليها من اليأس ، والحزن ، والفرح ، والأمل ، ولربما طُبع على إحداها متناقضان ، فمرّةً كان صاحبها يبتسم ، وفي أخرى يعبس ، وأحيانا تتجمد تقاسيمه ، وتقف تعابير وجهه للحظات ، ثم تعاود تأثيرها فيما حولها ، عندها أطلق الصمت صفارته ليخيّم الصمت ، المخيِّم أصلاً في داخل الحافلة .

أدار السائق رأسه إلى الوراء فراقه امتلاء المقاعد بالركاب ، لم ينظر إلى وجوههم بل نظر إلى جيوبهم وأيديهم المحملة بالأجرة ، ابتسم ابتسامة غريبة ، ثم عاد واستقام بنظره إلى الأمام ، أدار مفتاح الكنتاك وداس على المازوت ، لتنطلق الحافلة مخترقة الطريق الرئيسة باتجاه عمق المدينة .

وراء السائق تماما جلست سعاد ، صاحبة العقد الثالث ، وقد وضعت على وجهها أحمرَ وأخضرَ وأزرق ، حتى بدا وجهها كالدمية مرسوما بعناية وحرص شديد ، أرادت الظهور بأفضل صورة بزعمها ، للفت الأنظار إليها ، فالأيام سرقت عمرها والعريس لا يأتي ، تذهب كل يوم إلى وظيفتها وتعود إلى بيتها ، تغلق باب غرفتها على نفسها وحيدةً ، يصعقها البرد وتقتلها الوحدة والانفراد ، تعبت من تعليقات صديقاتها ونظراتهم غير المريحة .

لماذا هذا التأخير بالزواج !؟  فرفيقاتها تزوجن وأنجبن بينما هي مازالت عاجزة عن لفت نظر أي شاب إليها ، لتكف ألسنتهم وتقطعها ، فملأتْ رائحة عطرها الحافلة دون نتيجة .

خلفها كان يجلس الأستاذ أكرم ، فحلمه وصل إلى الذروة ، لقد وعده مديره الأستاذ ماجد أن يرقيه إلى رئيس قسم ، بعد أن رآه مرة في الحديقة العامة برفقة زوجته حنان عندها سلّم عليه بحرارة لم يعهدها من قبل ، وعيناه شاخصتان إلى زوجته الجميلة حنان ، وفي اليوم التالي طلبه إلى مكتبه وأثنى على عمله ، وأخبره بان مكانه هو رئيس قسم الإمداد ، وأنه قد آن الأوان لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، لكن الأستاذ أكرم كان بسيطاً وساذجاً لم يفهم بان الأستاذ ماجد رمى له الطعم ليقترب منه ومن زوجته أكثر ، فراحت عيناه تبرقان بالسعادة بينما راح المجهول يضحك ويستهزئ منه

إلى جانبه قبع أمجد الطالب في كلية الآداب , وضع على شعره مساحيق غريبة أكسبته لمعاناً لافتاً وصلابة لمقاومة هبات الريح المفاجئة ، تحسبه تمثالاً ، عيناه برقتا بالمكر والغدر ، فلقد قرر اليوم أن يوقع إحدى الفتيات في شباكه ، فلقد بقي لأكثر من شهر يحيك الخطط ويلازمها كظلها ، مظهراً مفاتنه ورجولته الأنثوية ، ناسياً دروسه ومحاضراته ، التي أُرسل إلى الجامعة أصلا لأجلها ، وأخيراً نظرتْ إليه وابتسمت له فلربما كانت ابتسامة عفوية وغير مقصودة ، ولكنه لم يرَ ذلك ، حتى شعر بالنشوة والرغبة في محادثتها ، فقد أسرت لبه وتملّكت فؤاده لدرجة أنه في الليلة الماضية لم ينم أبداً ، سيكلمها اليوم وسيلمس يدها إن أمكن ، نعم فهذا عصر السرعة ولا مجال للتأخير والانتظار ، فراحت نظرة المكر في عينيه تزداد ولا تتغير.

وراءه كان أبو محمد موظف الديوان ، يضع نظارته السميكة أمام عينيه التي أتعبتها السّنون والهموم ، كان كل دقيقة يرفع يده ويعدّل نظارته بأطراف أصابعه ، اليوم وعده المحاسب بقبض السلفة ، رغم مبلغها القليل ، ولكن حصوة تسند جرة كما يقال .

بدأت آلته الحاسبة الذهنية تجمع وتطرح ، عند عودته والسلفة في جيبه ، سيمرّ على اللّحام أبو أمين وسيدفع له حسابه بالكامل ، ثم سيعرّج على السمان أبو أحمد ، سيقول له افتح دفتر الحساب فوراً ، سيدفع له حسابه أمام الناس ورأسه مرفوع ، وسيحضر معه من السوق أحذية جديدة لأولاده بدلا من أحذيتهم القديمة المهترئة .

جالت في خاطره أشياء كثيرة ، وقائمة مشتريات لا تنتهي ، وكأنه سيمتلك الدنيا بهذه السلفة ، التي سيدفع ربع راتبه كل شهر لتسديدها على مدى عامين كاملين ، ووصل حلمه بالسلفة إلى أن تربّع فوق تلة من الموز ، وراح يوزّع الموز على أولاده وأولاد الجيران ، ثم تجمع حوله كل أطفال العالم وهو يوزع عليهم الموز ، لكنه عندما التقط موزة ليتذوقها تذكر أمه التي ماتت في المستشفى ، يومها اشتهت الموز ، فأسرع إلى السوق لشرائه ، وعندما عاد إليها كانت قد فارقت الحياة , ومن يومها أصبح طعم الموز في فمه مراً .

مازال الصمت يتجول في الحافلة ويدقق النظر إلى الوجوه ، حتى انه أحيانا يلمسها ويحركها ، ولكنها تعود إلى شرودها وغيابها وكأن ركاب الحافلة معزولون عن حركة الشارع وضجيجه ، حتى وصل إلى وجه مصطفى قلّبه يمينا وشمالا لكنه كان غائما شارداً لدرجة اللاوعي ، فلقد تخرّج منذ خمس سنوات ومازال يأخذ مصروفه من والده ، تقدم لأكثر من مسابقة للتّعيين ، ولكن كلمة غير مقبول كانت تسبق المسابقة .

يئس ، ضجر من حياته ، فكر بالسفر إلى أي مكان ، لكن أمه أطلقت دموعها الغالية فأوقفت رحيله .

كل يوم يركب الحافلة ويتجول في الشوارع ، يجلس في الحديقة العامة والمقاهي يراقب السماء بعيون المنتظر المتعب علها تمطر ذهبا أو حظاً .

أمامه تماما جلست لمياء طالبة الثانوية العامة ، كان وجهها ينطق بالحيوية والجمال والصفاء وشعرها ينساب على أكتافها ككرات الذهب .

عيناها تشعان بالذكاء ، لكن يدها كانت في يد شاب إلى جوارها يطبق عليها ، يحبسها ويعصرها ، بينما هي هادئة لكي لا تلفت النظر في الحافلة لكن السعادة ارتسمت على محياها .

توقفت الحافلة عند أول موقف فنزلت سعاد وتبعها الأستاذ أكرم وصعد مكانهم آخرون وهكذا راحت الحافلة تنزل راكبيها ويصعد غيرهم ، والصمت يتفرّس النظر في كل من يصعد ، يمسح على وجهه ، فتراه أحيانا يبكي ، ومرة يضحك ، وفي أخرى لا يعرف ماذا يفعل ، فيلتزم الصمت .

حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع
حافلة الصمت | غزوان بزي | القصة الفائزة بالمركز السابع

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

القصة الفائزة بالمركز الثامن

لعنة الدماء | شذى يونس | القصة الفائزة بالمركز الثامن

لعنة الدماء | شذى يونس | القصة الفائزة بالمركز الثامن من مسابقة نادي شام للقصة …