الرئيسية / الاقسام التخصصية / عيش اللحظة / كيف تكون كاملا في ثلاثة أيام – الجزء الثالث

كيف تكون كاملا في ثلاثة أيام – الجزء الثالث

كيف تكون كاملاً في ثلاثة أيام…الحلقة الثالثة
==========================
اليوم الثاني: تهانينا الحارة ، لقد قطعت ثلث رحلتك نحو الكمال.
ولكن ما هذه الرائحة الكريهة التي تنبعث منك؟ وما هذا المنظر المضحك؟ أما زلت تضع رأس القرنبيط السخيف هذا في رقبتك، إنه فعلاً من أغبى الأشياء التي رأيتها في حياتي. إياك ثم إياك أن تقلب الصفحة حتى تذهب وتتخلص منه فوراً ، وأرجو أن تضع عطراً جميلاً قبل أن ترجع إلي لنتابع رحلتنا معاً.
أصيب كمال بالصدمة وهو يقرأ تلك الكلمات ولم يصدق أن الذي نصحه بوضع رأس القرنبيط هو الذي يسخر منه الآن، ومع ذلك فقد انطلق بسرعة وتخلص من رأس القرنبيط بسعادة كبيرة وعاد إلى كتابه ليقرأ:
ممتاز ، هكذا أفضل بكثير، تخيل نفسك كيف جئتني وأنت تضع هذا الشيء الغبي على رقبتك، لابد أنك تملك قدراً كبيراً من الشجاعة. وأستطيع أن أجزم الآن أنك تخلصت من كل مخاوفك من الناس وكلامهم وتعليقاتهم بل وحتى سخريتهم وانتقاداتهم، وأنا شخصياً أعتقد أنك باجتيازك اليوم الأول قد شعرت بأنك صرت أقوى ، وصارت ثقتك بنفسك أكبر من ذي قبل.
المطلوب منك الآن ولمدة أربع وعشرين ساعة قادمة ألا تأكل أو تشرب شيئاً باستثناء الماء . نعم ، لا خبز ولا مكسرات ولا حلوى ولا شوكولا ولا بطاطا مقلية ولا بيتزا ولا آيس كريم. لا شيء.
حاول أن تغش، وستخسر فرصتك في أن تصبح كاملاً. إذاً حتى الغد ، ابق جائعاً.
نظر كمال إلى ساعته التي أشارت إلى التاسعة مساء وتساءل كيف يستطيع أن يصبر دون طعام حتى التاسعة من مساء الغد، إن هذا مستحيل. لو كان يعرف لتناول عشاء ثقيلاً جداً ، ولكنه الآن لا يستطيع حتى أن يأكل شيئاً خفيفاً على العشاء. وبدأ كمال مباشرة يشعر بالجوع مع أن اليوم الثاني لم يبدأ بعد . ومع ذلك فإن عليه أن يجوع حتى مساء الغد إن أراد أن يصبح كاملاً . إنه لا يستطيع أن يأكل شيئاً حتى ولا قطعة من القرنبيط التي حملها في اليوم الماضي.
ولكن يبدو أن كمالاً كان مصمماً على متابعة الرحلة حتى النهاية ويبدو أن قصر مدة الرحلة قد أغراه للمضي قدماً فقرر أن يصرف تفكيره إلى شيء آخر فذهب ليتفرج على التلفاز ، ولكن لسوء حظه فقد وجد أهله متجمعين حول فطيرة البيتزا بالحجم العائلي ورائحة الجبن تفوح في كل مكان، ودعوه للمشاركة ولكنه اعتذر وتظاهر بعدم الرغبة ولكن إعلاناً على التلفاز عرض أحدث أنواع الدجاج المقلي مع البطاطا فما كان منه إلا أن هرب ثانية غلى غرفته وأمسك بقصة ليقرأها ، وبدأت القصة بمجموعة من الأصدقاء وهم في رحلة جبلية يشوون اللحم ، وشعر كمال بشيء من المؤامرة التي تحاك من حوله، فتمدد في فراشه وأسلم نفسه للنوم، ولكم أن تتخيلوا الأحلام التي رآها في تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي استيقظ بأكبر شهية شعر بها في حياته، لم يتشاجر مع أخته كما كانت العادة ، واستغرق وقتاً طويلا ً في ارتداء ملابسه حتى استعجله والده ليتناول طعام الإفطار. اعتذر كمال عن تناول الإفطار مما أثار دهشة وقلق أهله وسألوه إن كان مريضاً، فأجاب وهو يرمق أخته أثناء تناولها لقمة كبيرة من الخبز مع الزبدة والعسل :
– أنا لن آكل شيئاً اليوم، لا أشعر برغبة في ذلك.
فعلقت أخته بسخرية واضحة:
– يبدو أنه متخم من القرنبيط الذي تناوله البارحة .
فتجاهلها كمال لأنه لم يكن يشعر بقوة كافية للجدال، وحمل حقيبته وهرب إلى مدرسته ، وفي الطريق شعر بشيء من الانتصار رغم الضعف الذي كان يسيطر على جسمه إلا أنه شعر بشيء من السيادة على نفسه، وفي المدرسة تعرض لكثير من الأسئلة الساخرة حول القرنبيط الذي كان في عنقه في اليوم الماضي ولكنه تقبل هذه التعليقات بروح رياضية عالية لم يعهدها على نفسه من قبل. حتى إن البعض اتفقوا على أن يدعونه باسم ” قرنبيط ” بدلاً من اسمه كمال. ولكنه كان في غاية الهدوء والسلام الداخلي مما رفع كثيراً من معنوياته. وعندما حان وقت الغداء كان كمال في حالة جوع شديدة جداً إلا أنه كان في غاية التصميم على المتابعة ، فأخرج الطعام الذي أعدته له والدته وسارع بتقديمه لأصدقائه حتى لا تضعف نفسه، وشعر هنا بشعور جميل وهو لذة العطاء والكرم التي لم يألفها من قبل.
اتجه كمال بعد ذلك إلى الماء وأخذ يشرب ويشرب إلا أن الماء كان طعمه غريباً ولم يطفئ نار الجوع التي استعرت في معدته،وعندما عاد كمال إلى بيته رفضت عصافير بطنه السكوت بل إنها صارت تصرخ بصوت عال ، وكأن مظاهرة كبيرة بدأت تشتد في معدته وأمعائه، وما إن رأى الطعام على المائدة حتى كاد أن ينهار فأسرع نحو غرفته وتمدد في سريره واختبأ تحت الغطاء واستغرق في نوم غير عميق، وبين نائم ومستيقظ سمع صوت والدته تدعوه إلى المائدة فصرخ دون وعي :
– إنني قادم.
وقفز من سريره وما إن خطا بضع خطوات حتى نظر إلى الساعة المعلقة على حائط غرفته مشيرة إلى السادسة وشعر أنها تبتسم له ابتسامة ماكرة قائلة له:
– ما زال هناك ثلاث ساعات حتى أسمح لك بتناول الطعام.
فأصيب بخيبة أمل كبيرة وشعر بالإحباط وعاد إلى سريره، وبعد قليل دخلت والدته وقالت مستغربة:
– ما قصتك اليوم ؟ هل أنت مريض؟ ألا تريد أن تأكل؟ لقد أعددت لك وجبتك المفضلة ” دجاج بالفرن ” .
وما إن سمع “دجاجاً بالفرن” حتى سال لعابه وكادت معدته تقفز من بطنه ولكنه كز على أسنانه وقال :
– كأنني أشعر بوعكة خفيفة في معدتي ولست أرغب بتناول الطعام الآن ، شكراً لك.
– كما تريد ، هل ترغب أن أستدعي لك طبيباً ؟
– لا، لا ، الأمر بسيط إن شاء الله ، أعتقد أنني أحتاج شيئاً من الراحة ليس إلا.
– حسن ، سنأكل نحن الآن ، اعتن بنفسك.
ذهبت أم كمال ، وشعر كمال بشيء من الراحة لأنه استطاع أن يتملص بسهولة ولكن فرحته لم تكتمل فما هي إلا دقائق حتى دخل والده وهو يقول:
– ما قصتك يا بني؟ إنك تتصرف بغرابة منذ البارحة ، لم تأكل معنا البارحة و لا صباح اليوم ولا تريد أن تأكل الآن ؟ ماذا هنالك؟ هل أنت متعب؟
– أجل يا أبي ، أنا متعب جداً .
وكان كمال صادقاً هذه المرة. ونظر إلى الكتاب الموضوع على مكتبه راجياً ألا يراه الأب ولكن رجاءه قد خاب عندما لمح أبو كمال الكتاب فأمسك به وأخذ يقلب صفحاته بسرعة.
– كيف تكون كاملاً في ثلاثة أيام ؟ هل كنت تقرأ هذا الكتاب؟
– نوعاً ما .
نظر الأب مرة أخرى في الكتاب ثم قال:
– إنه يقول هنا أن عليك ألا تأكل شيئاً في اليوم الثاني.هذا يفسر كل شيء يا سيد كمال الكامل المكمل.ولكن لماذا لم تخبرنا بذلك؟
– ظننت أنكم ستسخرون مني كما تفعل أنت الآن ، كما إنني أحببت أن أفاجئكم.
– أنا لا أسخر منك.
وأخذ أبو كمال يقرأ الكتاب قراءة سريعة وبعد أن تصفحه بالكامل أغلقه وأعاده إلى مكانه ثم أردف قائلاً:
– هل تعلم يا كمال ، قد يكون من اللطيف أن يكون لدينا شخص كامل ضمن هذه الأسرة.
– أرجوك لا تخبر أحداً بذلك وخاصة أختي لأنني لن أنجو عندئذ من تعليقاتها وتهكمها ، ويكفيني ما مررت به حتى الآن.
– سوف أغلق فمي تماماً ، اطمئن. ولكن قل لي متى تتوقع أن تصبح كاملا ً؟
– غداً مساء إن شاء الله.
– أتمنى لك حظاً سعيداً. أنا ذاهب الآن.
استلقى كمال مرة أخرى في سريره ، حاول أن يقرأ لكنه لم يستطع ، كان الدجاج بالفرن قد استولى على تفكيره تماماً وشاركت الرائحة التي انتشرت في البيت من جوعه ومعاناته.وأخذ يتساءل عن اليوم الثالث وما عسى أن يحمل معه من مفاجآت. أخذ كمال ينظر إلى الساعة . وللمرة الأولى في حياته يشعر بهذا التباطؤ الشديد للزمن، كانت الدقيقة تمر كأنها ساعة، والخمس دقائق كأنها سنة. ربما عندما تصبح كاملاً يتباطأ الزمن. وصار كمال ينقل عينيه من ساعة الحائط إلى ساعة يده حتى اقتربت الساعة من التاسعة. ثم بدأ العد التنازلي : التاسعة إلا دقيقة – التاسعة إلا نصف دقيقة – التاسعة إلا عشر ثوان – إلا خمس ثوان – أربع ثوان – ثلاث ثوان – ثانيتان – ثانية واحدة – التاسعة تماماً – التاسعة وثانية واحدة ، كمال يفتح الكتاب ويبدأ بالقراءة وكأنه في سباق مع الزمن.

عن عهد سنكري

شاهد أيضاً

أهمية السلبية في حياتنا

أهمية السلبية في حياتنا  بالطبع لا أقصد هنا السلبية المطلقة وإنما بعضٌ من السلبية المطلوبة …